الآلوسي

17

تفسير الآلوسي

فلا يظهر منه حسن عمل إلا من الصابرين الصالحين ، أو من حيث أن إنكارهم البعث واستهزاءهم بالعذاب بسبب بطرهم وفخرهم كأنه قيل : إنما فعلوا ما فعلوا لأن طبيعة الإنسان مجبولة على ذلك انتهى ، ولا يخفى ما في الأول من البعد . والثاني أقرب ، والله تعالى أعلم . ومن باب الإشارة في الآيات : * ( الر ) * إشارة إلى ما مرت الإشارة إليه * ( أحكمت آياته ) * أي حقائقه وأعيانه في العالم الكلي فلا تتبدل ولا تتغير * ( ثم فصلت ) * في العالم الجزئي وجعلت مبنية معينة بقدر معلوم * ( من لدن حكيم ) * فلذا أحكمت * ( خبير ) * ( هود : 1 ) فلذا فصلت ، وقد يقال : الإشارة إلى آيات القرآن قد أحكمت في قلوب العارفين * ( ثم فصلت ) * أحكامها على أبدان العاملين ، وقيل : * ( أحكمت ) * بالكرامات * ( ثم فصلت ) * بالبينات * ( ألا تعبدوا إلا الله ) * أي أن لا تشركوا في عبادته سبحانه وخصصوه عز وجل بالعبادة * ( إني لكم منه نذير ) * عقاب الشرك وتبعته * ( وبشير ) * ( هود : 2 ) بثواب التوحيد وفائدته ، وقيل : * ( نذير ) * بعظائم قهره * ( وبشير ) * بلطائف وصله * ( وأن استغفروا ربكم ) * اطلبوا منه سبحانه أن يستركم عن النظر إلى الغير حتى أفعالكم وصفاتكم * ( ثم توبوا إليه ) * ارجعوا بالفناء ذاتاً ، وقيل : * ( استغفروا ربكم ) * من الدعاوي * ( وتوبوا إليه ) * من الخطرات المذمومة * ( يمتعكم متاعاً حسناً ) * بتوفيقكم لاتباع الشريعة حال البقاء بعد الفناء ، ويقال : المتاع الحسن صفاء الأحوال . وسناء الأذكار . وحلاوة الأفكار وتجلي الحقائق . وظهور اللطائف . والفرح برضوان الله تعالى وطيب العيش بمشاهدة أنواره سبحانه ، والمتاع كل المتاع مشاهدة المحب حبيبه ، ولله در من قال : مناي من الدنيا لقاؤك مرة * فإن نلتها استوفيت كل منائيا * ( إلى أجل مسمى ) * هو وقت وفاتكم * ( ويؤت كل ذي فضل ) * بالسعي والاجتهاد وبذل النفس * ( فضله ) * في الدرجات والقرب إليه سبحانه ؛ ويقال : * ( يؤت كل ذي فضل ) * في الاستعداد * ( فضله ) * في الكمال ، وسئل أبو عثمان عن معنى ذلك فقال : يحقق آمال من أحسن به ظنه * ( وإن تولوا ) * أي تعرضوا عن امتثال الأمر والنهي * ( فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ) * ( هود : 3 ) وهو يوم الرجوع إلى الله تعالى الذي يظهر فيه عجز ما سواه تعالى ويتبين قبح مخالفة ما أمر به وفظاعة ارتكاب ما نهى عنه * ( ألا إنهم يثنون ) * يعطفون صدورهم على ما فيها من الصفات المذمومة * ( ليستخفوا منه ) * تعالى وذلك لمزيد جهلهم بما يجوز عليه جل شأنه وما لا يجوز * ( ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ) * من الأقوال والأفعالوسائر الأحوال ، وقيل : * ( ما يسرون ) * من الخطرات * ( وما يعلنون ) * من النظرات ، وقيل : * ( ما يسرون ) * بقلوبهم * ( وما يعلنون ) * بأفواههم ، وقيل : * ( ما يسرون ) * بالليل * ( وما يعلنون ) * ( هود : 5 ) بالنهار ، والتعميم أولى * ( ومن الناس من جعل ) * ضمير منه للرسول صلى الله عليه وسلم . وقد علمت أنه يبعده ظهور أن ضمير * ( يعلم ) * له تعالى لكن ذكر في أسرار القرآن أنه تعالى كسا أنوار جلاله أفئدة الصديقين فيرون بأبصار قلوبهم ما يجري في صدور الخلائق من المضمرات والخطرات كما يرون الظواهر بالعيون الظاهرة ، وقد جاء " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى " وعلى هذا فيمكن أن يكون ضمير * ( يعلم ) * للرسول عليه الصلاة والسلام ، وأياً مّا كان فالآية نازلة في غير المؤمنين حسبما يقتضيه الظاهر ، وقد تقدم لك أن الأمر على ما روي عن الحبر رضي الله تعالى عنه مشكل . وقال بعض أرباب الذوق : إن الآية عليه إشارة إلى أن أولئك الأناس لم يصلوا إلى مقام الجمع ولم يتحققوا بأعلى مراتب التوحيد وفيه خفاء أيضاً فتفطن * ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) * أي ما تتغذى به